أحمد بن محمد القسطلاني
76
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فقال . 88 - باب الْخُشُوعِ فِي الصَّلاَةِ ( باب الخشوع في الصلاة ) . الصلاة صلة العبد بربه ، فمن تحقّق بالصلة في الصلاة لمعت له طوالع التجلي ، فيخشع . وقد شهد القرآن بفلاح مُصلِّ خاشع قال الله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [ المؤمنون : 1 ، 2 ] . أي : خائفون من الله ، متذللون له ، يلزمون أبصارهم مساجدهم . وعلامة ذلك أن لا يلتفت الصلي يمينًا ولا شمالاً . ولا يجاوز بصره موضع سجوده . صلّى بعضهم في جامع البصرة فسقطت ناحية من المسجد ، فاجتمع الناس عليها ولم يشعر هو بها . والفلاح أجمع اسم لسعادة الآخرة ، وفقد الخشوع ينفيه ، وقد قال تعالى : { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [ طه : 14 ] . وظاهر الأمر الوجوب ، فالغفلة ضد ، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيمًا للصلاة لذكره تعالى ، فافهم واعمل ، فليقبل العبد على ربه ، ويستحضر بين يدي من هو واقف . كان مكتوبًا في محراب داود عليه الصلاة والسلام ، أيها المصلي ، من أنت ولمن أنت ؟ وبين يدي من أنت ، ومن تناجي ؟ ومن يسمع كلامك ، ومن ينظر إليك ؟ وقال الخراز : ليكن إقبالك على الصلاة كإقبالك على الله يوم القيامة ، ووقوفك بين يديه وهو مقبل عليك وأنت تناجيه . 741 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا ؟ وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَىَّ رُكُوعُكُمْ وَلاَ خُشُوعُكُمْ ، وَإِنِّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي » . وبالسند قال : ( حدّثنا إسماعيل ) بن أبي أويس ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( مالك ) هو ابن أنس ، إمام دار الهجرة ( عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( هل ترون ) بفتح التاء ، والاستفهام إنكاري أي أتظنون ( قبلتي ) أي مقابلتي ومواجهتي ( هاهنا ) فقط ؟ ( والله ما ) ، ولأبي ذر عن الحموي : لا ( يخفى عليّ ركوعكم ولا خشوعكم ) تشبيه لهم على التلبس بالخشوع في الصلاة ، لأنه إنما قال لهم ذلك لما رآهم يلتفتون غير ساكنين ، وذلك ينافي كمال الصلاة . فيكون مستحبًّا لا واجبًا ، إذ لم يأمرهم هنا بالإعادة . وقد حكى النووي الإجماع على عدم وجوبه ، قال في شرح التقريب وفيه نظر ، فقد روينا في كتاب الزهد لابن المبارك ، عن عمار بن ياسر ، قال : لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه ، وفي كلام غير واحد من العلماء ما يقتضي وجوبه انتهى . والخشوع : الخوف أو السكون ، أو هو معنى يقوم بالنفس يظهر عنه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة . وفي مصنف ابن أبي شيبة ، عن سعيد بن السيب ، أنه رأى رجلاً يلعب بلحيته في الصلاة ، فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه . وقد تتحرك اليد مع وجود الخشوع ، ففي سنن البيهقي ، عن عمرو بن حريث ، قال : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ربما مسّ لحيته وهو يصلّي . وهذا موضع الترجمة . ( وإني لأراكم ) بفتح الهمزة ، أي : أبصركم ( وراء ظهري ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي . من وراء ظهري ، أي ببصره العهود إبصارًا انخرقت له فيه العادة أو بغيره كما مرّ . 742 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي - وَرُبَّمَا قَالَ - مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ » . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن بشار ) بالموحدة والمعجمة المشددة ( قال : حدّثنا غندر ) اسمه محمد بن جعفر البصري ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ، ولابن عساكر : عن شعبة ( قال : سمعت قتادة ) بن دعامة يقول ( عن أنس بن مالك ) وسقط لفظ : ابن مالك عند ابن عساكر : ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال ) : ( أقيموا ) أي أكملوا ( الركوع والسجود ، فوالله إني لأراكم ) بفتح اللام المؤكدة والهمزة ( من بعدي ) أي : من خلفي ( - وربما قال : من بعد ظهري - ) ( إذا ركعتم وسجدتم ) ولأبي ذرّ : وإذا سجدتم . وأغرب الداودي حيث فسر البعدية هنا بما بعد وفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني : إن أعمال أمته تعرض عليه ، ولا يخفى بعده لأن سياق الحديث يأباه . 89 - باب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ ( باب ما يقول ) وللمستملي وابن عساكر ؛ ما يقرأ ( بعد التكبير ) . 743 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ : " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضي الله عنهما - كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " . وبالسند قال : ( حدّثنا حفص بن عمر ) بن الحرث الحوضي ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن قتادة ) بن دعامة ( عن أنس ) وللأصيلي : عن أنس بن مالك ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأبا بكر ، وعمر ) رضي الله عنهما ( كانوا يفتتحون الصلاة ) أي قراءتها ، فلا دلالة فيه على دعاء الافتتاح ( بالحمد لله ربّ العالمين ) بضم الدال